يواصل المعلمون تعديل ممارساتهم باستمرار، وينقل المفتشون البيداغوجيون ما يتعلمونه من الميدان، بينما تتعلم المديريات الإقليمية كيف تسهل إبراز أنسجة جديدة من العلاقات، وتواكب تشكل أطر جديدة وأدوات للمتابعة والتقييم. وفي الوقت نفسه، تتطور المضامين والمقاربات التربوية وأنماط الحكامة في الزمن الحقيقي، متغذية بالتجربة المعاشة. وهكذا، يتعلم النظام أن يسهل تحوله بنفسه.
إن هذه الحركة حقيقية، وعميقة، وغير مسبوقة. لكنها كثيرا ما تظل غير مرئية حتى لأولئك الذين يصنعونها، لأن أحدا لم يخبرهم أنهم شركاء في إبداع ريادة التحول. فهم يعيشون الريادة بوصفها برنامجا ينبغي تنزيله، تحكمه أحيانا آجال سياسية، ويُنظر إليه، في كثير من الأحيان، على أنه عبء إضافي، لا مساهمة تاريخية في تحول غير مسبوق.
ويتغذى الجدل الدائر حول الريادة تحديدا من هذا التنافر في اللغة. فالخطاب المؤسسي يتحدث عن إصلاح ناجح وتعميم واسع، في حين تتحدث التجربة الميدانية عن ضغط متزايد، و"ارتباك"، وتعديلات متواصلة. وكلتا السرديتين صحيحة. غير أن غياب لغة مشتركة قادرة على الجمع بينهما يجعل التحول الحقيقي نفسه هشا أمام التجاذبات السياسية.
والحال أن هذا "الارتباك" المتصور ليس سوى علامة على تحول حي؛ تحول لا يسير بطبيعته في خط مستقيم، لا لأنه يتعثر، بل لأنه ليس تنفيذا يفرض من الأعلى إلى الأسفل، ولا مبادرة تنطلق من الأسفل إلى الأعلى، وإنما هو مسار تكراري، ومتعدد المستويات، ومتشارك في التشكل؛ يتحول فيه كل مستوى من مستويات النظام، ويُسهم في الوقت نفسه في تحويل المستويات الأخرى، فتنبثق من هذا التفاعل كلية تتجاوز مجموع أجزائها.
ومن ثم، فإن انتظار تنزيل عمودي منظم هو بالذات ما يجعل الريادة عصية على الفهم، حتى بالنسبة لأولئك الذين يشكلون فاعليها الحقيقيين. ولذلك، يحتاج إدراكنا إلى أن يتسع، عبر لغة تنقلنا من برامج ريادة إلى ريادة بوصفها التحول نفسه.
وفي سياق يتسم بحساسية الزمن الانتخابي، قد تصبح هذه الهشاشة مدخلا للاستغلال، لا لأن الريادة تتعثر، بل لأن طبيعتها العميقة لم تُروَ بعد، ومن ثم لم تُدرك بعد على حقيقتها. فـالريادة هي تحول ريادي لم يتعرف بعد إلى ذاته. ومنحها هذه المرآة، من خلال اللغة، وفضاءات الاعتراف، واتساق الخطاب، هو اليوم الفعل الاستراتيجي الأكثر قوة وقدرة على حمايتها، سياسيا وبيداغوجيا.
