كريمة القضاوي، مسهلة وباحثة في مؤسسة تمكين من أجل إنسانيتنا
غالباً ما تُفهم الريادة بوصفها برنامجاً استراتيجياً للإصلاح، يتمحور حول الارتقاء بالتعلمات، وتطوير الممارسات التربوية، وتعزيز نجاعة المؤسسات التعليمية، وإرساء آليات للمواكبة والتجهيز والإشهاد. وهذا الفهم صحيح. غير أن التجربة المعاشة لمسار تنزيلها تكشف أيضاً عن حقيقة أوسع وأعمق؛ فالريادة ليست مجرد برنامج للإصلاح، بل هي أيضاً حركة تتعلم من خلالها المنظومة التربوية كيف تتحول بنفسها.
بعيدا عن بعدها البرنامجي، يمكن النظر إلى الريادة بوصفها فضاء تبرز فيه تمظهرات التحول. ويتجلى هذا الفضاء في بروز ممارسات جديدة في التدريس، وأنسجة جديدة من العلاقات، وأشكال جديدة من المواكبة، وأنماط جديدة من التعاون، وصيغ جديدة لتمفصلات الحكامة، وشروط جديدة لتقدم المتعلمين والمدارس والمنظومات الإيكولوجية التربوية. وهذه التمظهرات ليست مجرد نتائج متفرقة ومعزولة، بل تعبر عن منظومة تصبح، بصورة تدريجية، أكثر قدرة على أن تلاحظ ذاتها وتتأملها من منظور مختلف، وأن تمارس المواكبة بطرق مغايرة، وأن تنتظم بصورة مختلفة، بما يخدم التعلمات، واستمرارية الانخراط التربوي واستدامته، ودعم الفاعلين التربويين، وتعزيز اتساق المؤسسات التعليمية، والارتقاء بالازدهار الجماعي.
في هذا المنظور، تدعو ريادة التحول إلى توسيع زاوية النظر. فلم يعد الأمر يقتصر على رؤية ما يجري تنفيذه، بل أصبح يتعلق أيضا بالاعتراف بما تتعلمه المنظومة من خلال هذا التنفيذ. ويتعلق الأمر بالانتقال من مجرد منطق التنزيل إلى بناء فهم أوسع وأكثر عمقا لــ التحول المنظومي: كيف تطور منظومة ما، بصورة تدريجية، قدراتها على التعرف، والتقدير، والتقييم، والمواكبة، والربط، والتأمل، والتعلم، والتحسين المستمر لحركتها الذاتية نحو التغيير.
هذه القراءة لا تنتقص بأي حال من أهمية النتائج القابلة للقياس، بل تمنحها، على العكس، دلالة أوسع. فالتقدم الملحوظ في التعلمات الأساسية، وهيكلة المقاربات والممارسات التربوية، وتحسين البيئات المدرسية، وإشهاد المؤسسات التعليمية، وتعزيز ممارسات المواكبة، كلها تشكل تمظهرات مهمة. غير أنه يمكن أيضا قراءتها بوصفها مؤشرات على سيرورة أعمق: بروز منظومة إيكولوجية تربوية تصبح بصورة تدريجية أكثر وعيا بذاتها، وأكثر ترابطا، وأكثر اتساقا، وأكثر قدرة على تسهيل تحولها الذاتي.
من هذا المنظور، يمكن فهم ريادة التحول من خلال نحو حي للتحول. فهذا النحو لا يختزل في آليات تقنية، بل يتألف من صيغ علائقية وبنيوية يتعلم النظام من خلالها مواكبة صيرورته الخاصة. ومن بين هذه الصيغ، تبرز اليوم ثلاث صيغ تبدو واعدة بوجه خاص.
أولى هذه الصيغ هي التسهيل. فمن خلال مأسسة آلية المواكبة على المستوى الوطني، تعزز المنظومة قدرتها على مواكبة الفاعلين التربويين، وتسهيل بروز إيكولوجيات مدرسية مواتية للتعلم والازدهار، ودعم الحوارات المهنية المتجذرة في ثقة متنامية، وترسيخ التعلمات في واقع الميدان، وتشجيع التعديل المستمر للممارسات، وجعل المواكبة شرطا للتقدم، لا مجرد أداة للمراقبة. فالسهيل هنا ليس إضافة خارجية إلى المنظومة، بل هو طريقة تنسج بها المنظومة اتساقها مع جوهرها المُؤَنْسَن والمُؤَنْسِن ، وتتعلّم من فاعليها أنفسهم، على مقربة من التحولات التي تسعى إلى إتاحة إمكان تحققها.
الصيغة الثانية هي الحوض المدرسي المندمج. وتوسع هذه الدينامية أفق التحول، إذ تنتقل من النظر إلى المدرسة باعتبارها وحدة قائمة بذاتها إلى النظر إليها ضمن منظومة إيكولوجية ترابية للتعلم. ومن خلال الربط بين المؤسسات التعليمية داخل المجال الترابي نفسه، والتي تستقبل الأطفال والأسر أنفسهم، من التعليم الأولي إلى التعليم الثانوي التأهيلي، تفتح هذه الدينامية إمكانات جديدة للاستمرارية، وتقاسم الموارد والخبرات، والاتساق، والتعاون، وتوسيع الأثر. ولا تعود المدرسة، في هذا التصور، مجرد وحدة إدارية أو تربوية مستقلة، بل تصبح مكونا من مكونات إيكولوجية تربوية أوسع، قادرة على المشاركة في البناء المشترك لشروط النجاح والازدهار المشترك. وهكذا، تتسهل الاستقلالية المنشودة للمؤسسات التعليمية من خلال اندماجها الفعلي في منظومتها الإيكولوجية الطبيعية.
الصيغة الثالثة هي لحظات نظمية للتفكير المشترك وتنمية فهم مشترك: الاستشارات الوطنية والجهوية والإقليمية، والخلوات الاستراتيجية، والمنتديات الجهوية، وورشات الاعتراف والتقدير المحلية، وورشات التغذية الراجعة، واجتماعات القيادة والتوجيه متعددة المستويات. وهذه الفضاءات ليست هامشية بالنسبة إلى التحول، بل تشكل بعدا أساسيا منه. فهي تتيح للمنظومة التربوية أن تنمي وعيا أدق بذاتها، من خلال إتاحة المجال للفاعلين، على مختلف المستويات، لكي يتأملوا معا انطلاقا من التجربة المعاشة، وأن يتعرفوا إلى ما ينبثق، وأن يسموا التوترات والتقدم المحرز بمزيد من الدقة، وأن ينموا فهما مشتركا لشروط التحول ونحوه.
تكشف هذه الصيغ الثلاث مجتمعة عن ريادة تحول لا بوصفها مجرد إصلاح يتعين تنزيله، بل بوصفها مسار جماعي للتعلم المنظومي. فهي تجعل التحول ليس ممكنا فحسب، بل قابلا أيضا للملاحظة، والفهم، والتقاسم، وقابلا لأن يصبح تدريجيا واقعا معاشا.
وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة، لأن التحول لا يتجلى فقط في المؤشرات المرئية، بل يظهر أيضا في الحركات العميقة التي تطبع الحياة التربوية: في تطور العلاقة بين المدرس والمتعلم، وفي مواكبة المديريات للتغيير التربوي، وفي التعاون بين الفاعلين بما يتجاوز الحدود المعتادة، وفي تقاسم الموارد، وفي العناية بالاستمراريات التربوية، وفي تنامي قدرة المنظومة على الاعتراف بالمدرسة ليس فقط باعتبارها فضاء للتدريس، بل باعتبارها منظومة إيكولوجية حية للتعلم.
لا يخلو مثل هذا المسار من التوترات. فهو يفرض على المدرسين والمديرين والمفتشين والأطر والمسؤولين التربويين انخراطا مكثفا، ويتطلب جهودا في التعديل، والاستيعاب، والفهم، والتنسيق، وأحيانا إعادة تعريف المواقف المهنية. ويشكل الاعتراف بهذه الأعباء جزءا لا يتجزأ من الوعي المنظومي. فهو يذكرنا بأن التحول المستدام لا يمكن اختزاله في مجرد الامتثال، ولا في التنفيذ وحده، بل يتعين أن يحاط بالمواكبة، والتسهيل، والفهم، والاعتراف، وأن تتعزز قدرته على الصمود واستدامته عبر الزمن. ومن هنا، فإن تسهيل تنامي الوعي المنظومي، ونمو فهم مشترك، ليسا بعدين ثانويين، بل يندرجان ضمن الشروط ذاتها لإمكان الانتقال، بما يتجاوز الإصلاح، نحو التحول.
كما تكتسي مسألة بناء هذا الفهم المشترك أهمية بالغة. فالمنظومة لا تتحول بمجرد تنزيل التدابير والإجراءات، بل تتحول أيضا من خلال تعلمها أن ترى ذاتها، وأن تعبر عن ذاتها، وأن تفهم ذاتها، وأن تتعرف إلى الظروف التي يمكن في ظلها للتحولات أن تخلق، وتتجذر، وتتسع آثارها. ومن هذا المنظور، يشكل الوعي المنظومي في حد ذاته قدرة استراتيجية. فهو يعزز الاتساق بين مستويات الحكامة، ويغذي إلى جانب الذكاء الجماعي، الحكمة الجماعية، ويمنح مسار التحول مزيدا من المعنى والاستمرارية والمرونة.
يمكن، من هذا المنظور، فهم ريادة التحول بوصفها تلاقيا حيا بين طموح استراتيجي للإصلاح ومسار ناشئ للتحول الذاتي للمنظومة التربوية. فما يتشكل من خلالها لا يقتصر على تحسين الأداء المدرسي، بل يتمثل أيضا في إمكانية نشوء منظومة تربوية تتعلم كيف تسهل تحولها الذاتي، خدمة لازدهار كل متعلم، وكل مؤسسة تعليمية، وكل جماعة تربوية.
وعليه، لا يتمثل التحدي المطروح أمامنا في مواصلة التنزيل فحسب، بل يتمثل أيضا في الاستمرار في خلق الظروف التي تتيح لهذا التحول أن ينمو في المعنى والجوهر، وفي الاتساق والاستدامة. ويقتضي ذلك تعزيز ديناميات التسهيل، ودعم الفاعلين التربويين، وتوسيع فضاءات التفكير المشترك، وتعميق الفهم المشترك، والاعتراف بالمنظومات الإيكولوجية الحية والأنساق العلائقية التي يصبح التحول من خلالها واقعا متحققا.
في هذا المنظور، لا تمثل ريادة التحول مجرد إصلاح فحسب، إذ إن كلمة «إصلاح» لا تنصف في الواقع دلالة إصلاح التي يحيل حقلها الدلالي إلى معنى المصالحة وإعادة الوصل. بل هي حركة دائرية وحية، تتعلم من خلالها المنظومة التربوية أن تصبح أكثر وعيا بذاتها، وأكثر قدرة على مواكبة ذاتها، وأكثر استعدادا لتهيئة شروط تحول حامل للمعنى، ومستدام، ومؤنسن بعمق، ومؤنسِن.
يعدل المدرسون ممارساتهم. وينقل المفتشون التربويون ما يتعلمونه من الميدان. وتتعلم المديريات الإقليمية كيف تسهل بروز أنساق علائقية جديدة، وتواكب تشكل أطر جديدة وأدوات للمتابعة والتقييم. وتتطور المضامين والمقاربات التربوية وأنماط الحكامة في الزمن الحقيقي، متغذية على التجربة المعاشة. وتتعلم المنظومة كيف تسهل تحولها الذاتي.
هذه الحركة حقيقية وعميقة وغير مسبوقة. غير أنها تظل في كثير من الأحيان غير مرئية بالنسبة إلى من يصنعونها، إذ لم يخبرهم أحد بأنهم شركاء في خلق ريادة التحول. فهم يعيشون الريادة بوصفها برنامجا يتعين تنزيله، قد تكون له مدة زمنية محددة سياسيا، وغالبا ما ينظرون إليها باعتبارها عبئا إضافيا، لا باعتبارها إسهاما تاريخيا.
يتغذى الجدل الدائر حول الريادة تحديدا من هذا التباين في اللغة: فالخطاب المؤسساتي يتحدث عن إصلاح ناجح وعن تعميمه، بينما تتحدث التجربة المعاشة في الميدان عن عبء متزايد، وعن «ارتباك» وعن تعديلات مستمرة. وكلا الخطابين صحيح. غير أنه، في غياب لغة مشتركة، يصبح التحول الفعلي عرضة للهشاشة السياسية.
إن هذا «الارتباك» المتصور هو في حقيقته علامة على تحول حي، غير خطي بطبيعته، لا لأنه يفشل، بل لأنه ليس عملية تنزيل من أعلى إلى أسفل ولا من أسفل إلى أعلى، وإنما هو مسار تكراري، متعدد المستويات، متشارك في بروزه؛ حيث يحول كل مستوى من مستويات المنظومة المستويات الأخرى، ويتحول بها في الوقت نفسه، بما يفضي إلى بروز كل يتجاوز مجموع أجزائه.
إن انتظار تنزيل عمودي ومنظم هو تحديدا ما يجعل الريادة عصية على الفهم بالنسبة إلى من هم فاعلون فيها. لذلك، يتعين أن تتسع زاوية النظر، من خلال لغة توسع معنى برامج الريادة لتصبح ريادة التحول.
في خضم الفترة الانتخابية، يمكن استغلال هذه الهشاشة، لا لأن الريادة تفشل، بل لأن طبيعتها العميقة لم تجد بعد من يرويها، وبالتالي لم تتحقق بعد على نحو كامل. فالريادة تحول رائد لا يزال يفتقر إلى أن يتعرف إلى ذاته. وإن منحها هذا المرآة، من خلال اللغة، وفضاءات الاعتراف، واتساق الخطاب، يمثل اليوم الفعل الاستراتيجي الأقوى والأكثر حماية، على المستويين السياسي والبيداغوجي.
