حول المدونة

تأملات في
أنسنة المجتمعات

دفتر سفر مشترك، رحلة في محيط إنسانيتنا الذي لا شاطئ له

I الحركة الأولى

من نحن؟

نحن مؤسسة تمكين لإنسانيتنا؛ مرآة لأنسنة المجتمع، مؤسسة مغربية أبصرت النور في طنجة سنة 2009. بيد أن حكاية رحلتنا سبقت نشأة المؤسسة؛ ففي أواخر سنة 2007، انخرط أعضاؤنا المؤسسون في مسار من الاستبطان الفينومينولوجي، برز من تأملنا المشترك في تجاربنا المعاشة، كما تشكّلت في تفاعلنا مع العوالم الاجتماعية والمؤسسية والمالية والحكومية، في المغرب وخارجه.

بدأ استقصاؤنا بأسئلة عن استمرار المعاناة واختلال الانسجام في مجتمعنا. لكننا أخذنا ندرك، شيئًا فشيئًا، أن أسئلتنا ذاتها كانت تضيق بما تتيحه لنا من إمكانات للفهم، إذ كانت تؤطر رؤيتنا ضمن علاقات سببية ومسارات خطية. فكان علينا أن نتعلّم مساءلة أسئلتنا نفسها. وأدركنا أن تأملاتنا ظلت أسيرة منظور ينطلق من النقص، فيحجب عنا ما يفيض به كياننا ومجتمعاتنا من جمال. عندها بدأنا نرى بعين أخرى، ونوسّع أفق نظرنا، وننصت بعمق إلى ما يبرز من جذور الحياة المجتمعية. ومن رحم هذا التحوّل، أصبح سؤالنا الهادي:

كيف يمكن لمجتمعاتنا ومدارسنا وجامعاتنا ومنظماتنا وأنظمتنا المجتمعية، ونماذجنا في الحكامة والاقتصاد، ومجتمعاتنا برمّتها، أن تصبح تعبيرا وتمظهرا عن حسن إنسانيتنا المشتركة ؟

ومنذ ذلك الحين، وعلى مدى أكثر من خمسة عشر عامًا، ونحن ننمّي علاقات ممتدة الأمد، تتغذّى على الثقة وترعاها، عبر القرى والمدن، والمدارس والجامعات، وأوساط الشباب، ومكونات المجتمع المدني، والمؤسسات الحكومية، والمنظمات المعنية بالحكامة العالمية. ولسنا نكتب هنا من موقع المراقب الواقف على الشاطئ؛ فمحيط إنسانيتنا المشتركة لا شاطئ له.

II الحركة الثانية

معنى تمكين

كلمة «تمكين» عربية، وغالبًا ما تُترجم إلى الإنجليزية بكلمة Empowerment. غير أن هذه الترجمة لا تفي بالمعنى فحسب، بل قد تُفضي إلى فهم مضلّل له. فمفهوم Empowerment يفترض جدليةً للقوة: طرفٌ يمكّن طرفًا آخر، فتُنقل إليه القوة أو تُمنح له أو ينتزعها لنفسه. أما تمكين، فلا يفترض ابتداءً نقصًا ينبغي استكماله، ولا تراتبيةً ينبغي قلبها.

ويحمل الفعل المتجذّر في الحروف م ـ ك ـ ن إشارةً إلى حركةٍ تعود إلى المنبع، وإلى دائرةٍ تلتئم على ذاتها. إنه يحيل إلى طبيعةٍ تكشف عن نفسها بنفسها، على نحوٍ يشبه المرآة في إظهارها ما يتجلّى فيها. ومن هذا الجذر تنبثق منظومة حيّة من المعاني، تتشابك فيها الدلالات وتتوالد:

المنبثق من جذر تمكين: م · ك · ن
مَكَّنَ
to enable
مُمْكِن
possible
إِمْكَانِيَّة
possibility
إِمْكَان
potential
مَكَان مَكِين
the safe and nurturing place-time, the womb
اِسْتِمْكَان
self-realised potential

تدلّ تمكين على تحقّق إمكانات البذرة الكامنة، حين تجد سكينتها في إمكانات شروط رحمٍ يُغذيه الحبّ ويحتضنه، فتزهر، وفي تفتّحها تتحوّل هي وظروف تفتّحها معا.

وهكذا، فإن تمكين تحيل، في آنٍ واحد، إلى التحوّل المبرز من الإمكان الكامن في الكيان، وإلى التحوّل المتولّد بالتشارك في الشروط التي تتيح للتحوّل أن يحدث؛ وهو ما نسمّيه التحوّل الاستمكاني، أي التحوّل الذي يعيد التشكّل من الداخل، ويتحوّل معه ما يتيح له إمكان التحقّق. تمكين ليست برنامجًا، ولا منهجيةً، ولا نظريةً للتغيير؛ بل هي دلالةٌ تتجلّى فيما تحقّقه، من خلال الكيفية التي يتحقّق بها.

تبرز تمكين وتتجلّى بوصفها تعبيرًا حيًّا عن جوهرها: مرآةً، واختبارًا للحسن، ومسارا يتنامى من خلاله الفهم المشترك، ويتجلّى فيه الحبّ بوصفه أصلًا للوجود وجوهرًا للكينونة. وهي مقاربة، ولغة تتخلّق من التأمّل المشترك في التجارب المعاشة، وفلسفة تنبض في صميم الحياة، ونسقا علائقيا متدفقا تبرز فيه، لذاتها ومن خلال ذاتها، أنطولوجيا الحسن الكامن في المجتمعات والأنظمة، فتعبّر عن نفسها في تناغم الحياة المجتمعية، وفي الازدهار المشترك للإنسان.

III الحركة الثالثة

معنى مدونتنا

هذه ليست تأمّلات حول مجتمعاتٍ تسير في مسار الأنسنة، بل هي تأمّلات تبرز من هذه المجتمعات وتعكسها. فالكتابة «حول» تفترض مسافةً تفصل الكاتب عمّا يكتب عنه، مسافة المراقب عن موضوع مراقبته؛ أما الكتابة «في» فتعني البقاء في قلب التيّار، والانخراط في تدفّقه. ولسنا نتحدّث عن مجتمعات «مؤنسَنة»، وكأنّ العمل قد اكتمل، ولا عن مجتمعات «إنسانية»، وكأنّ الإنسانية قد ترسّخت فيها نهائيًا وأصبحت أمرًا مضمونًا؛ بل عن مجتمعات تُؤنسن نفسها، حيث يظلّ فعل الأنسنة حيًّا ومفتوحًا، مجتمعٌ يواصل أنسنة ذاته فيما تبرز أنسنته من داخله. ولصيغة الجمع هنا أهميتها؛ إذ ليس ثمة مجتمع واحد يسير في درب الأنسنة ليغدو نموذجًا تحتذي به سائر المجتمعات. فلكلّ جماعة تاريخها ولغتها وإمكاناتها الخاصة للصيرورة، ومع ذلك، لا تمضي أيّ جماعة في رحلتها وحدها.

تعود كلمة blog (مدونة) في أصلها إلى كلمة log، أي سجلّ الرحلة البحرية، الذي استمدّ اسمه من قطعة الخشب التي كان البحّارة يُلقون بها في البحر ليستدلّوا على سرعة السفينة واتجاه حركتها. وقبل أن يصبح السجلّ فضاءً رقميًا، كان ممارسةً هادئة يمارسها المسافر، يدوّن فيها مسار رحلته وهو لا يزال في عرض البحر، ثقةً منه بأنّ الإحداثيات الصادقة لسَفَرٍ ما تظلّ ذات معنى، حتى قبل أن تكتمل دلالته. وكلّ تأمّل نشاركه هنا هو قيد صغير في سجلّ رحلتنا المشتركة؛ لا يؤرّخ لوصولٍ ولا يحتفي بإنجاز، بل يرصد ما بلغه مسار نماء فهمنا المشترك في هذه اللحظة من الرحلة.

تبدأ كلمة b·log بحرف b. وفي العربية، يحمل حرف الباء في «بسم الله» معنى المصاحبة، ومعنى أن تكون البداية لا منفردةً، بل بالـ؛ أي مع شيءٍ أو أحد. وفي التقليد العبري، يبدأ الخلق بحرف bet، وهو الحرف الذي يعني اسمه «بيتًا». وترسم التقاليد القديمة حرف الباء أشبه بإناءٍ يستقرّ على نقطة واحدة، تلك النقطة المتواضعة في الأسفل التي تحمل ما يظلّ مستترًا عن الأنظار. وتكمن تحت كلّ تأمّل ننشره هنا علاقاتٌ جعلت ظهوره ممكنًا، وأمانةٌ محمولة في صمت، تحت خطّ الماء، لا تُرى بالضرورة، لكنها تسند الرحلة.

هذا الفضاء يتنفّس أكثر مما يُعلن عن نفسه. يأتي تأمّل، ثم يتبعه آخر بعد أسابيع أو أشهر؛ ويعود سؤال حسبناه قد وجد إجابته، لأنّ الطريق انعطف، ولأنّ المشهد ذاته كشف لنا وجها آخر لم نكن قد أبصرناه. وما يتشكل مع مرور الزمن ليس حُجة متكاملة، بل كوكبة من المعاني؛ وليس مذهبا مغلقا، بل أثر مسارٍ يتعلّم أن يتعرّف إلى ذاته، وأن يدرك حسنه، وأن يُبحر في صيرورته.

الإسطرلاب

حين تصير بوصلتنا هي التي تهدينا، يا رفيق الدرب،

تهبّ الريح، فتنتشي أشرعتنا المنسوجة من الحب،

ويهبّ الحب، فتنساب الريح التي تحمل أقدارنا في الدرب،

ويغدو المحيط بيتًا، نسمّيه «إنسانيتنا»، حيث يألف القلبُ القلب،

ويحيا إسطرلابنا بإحداثيات تتحوّل، كلّما اتسع فينا الفهمُ واقترب،

وكلّها مرايا لما نتعلّمه، ونحن نبحر، عن الثقة بإنسانيتنا، وعن سرّها الذي لا ينضب.

تمكين، 2022

إن كان لهذه التأمّلات رجاء، فهو أن تغدو، من حين إلى آخر، سطحًا آخر مهيّأً لاستقبال النور، وإحداثيةً أخرى قد يهتدي بها رفيقٌ في الرحلة إلى إعادة اكتشاف موضعه، في هدوء، على امتداد المحيط الذي نسميه إنسانيتنا.